الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

268

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الثاني عين الأوّل غرّته القاعدة المتداولة عند بعض النحاة ، وهي : أنّ لفظ النكرة إذا أعيد معرّفا باللام فهو عين الأولى . وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في « مغني اللبيب » في الباب السادس ، فقال : يقولون : « النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى ، وإذا أعيدت معرفة ، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى » ، ثم ذكر أنّ في القرآن آيات تردّ هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً [ الروم : 54 ] وقوله : أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [ النساء : 128 ] زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ [ النحل : 88 ] والشيء لا يكون فوق نفسه أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [ النساء : 153 ] ، وأنّ في كلام العرب ما يردّ ذلك أيضا . والحقّ أنّه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أنّ الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف العهد ، كما هنا . وقد تقدّم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ في سورة البقرة [ 193 ] . ويأتي عند قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ في سورة الأنعام [ 37 ] . وقوله خَيْرٌ ليس هو تفضيلا ولكنّه صفة مشبّهة ، وزنه فعل ، كقولهم : سمح وسهل ، ويجمع على خيور . أو هو مصدر مقابل الشرّ ، فتكون إخبارا بالمصدر . وأمّا المراد به التفضيل فأصل وزنه أفعل ، فخفّف بطرح الهمزة ثم قلب حركته وسكونه . جمعه أخيار ، أي والصلح في ذاته خير عظيم . والحمل على كونه تفضيلا يستدعي أن يكون المفضّل عليه هو النشوز والإعراض . ، وليس فيه كبير معنى . وقد دلّت الآية على شدّة الترغيب في هذا الصلح بمؤكّدات ثلاثة : وهي المصدر المؤكّد في قوله : صُلْحاً ، والإظهار في مقام الإضمار في قوله : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنّها تدلّ على فعل سجية . ومعنى وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ملازمة الشحّ للنفوس البشرية حتّى كأنّه حاضر لديها . ولكونه من أفعال الجبلّة بني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء كلّ فعل غير معلوم الفاعل للمجهول ، كقولهم : شغف بفلانة ، واضطرّ إلى كذا . ف « الشحّ » منصوب على أنّه مفعول ثان ل « أحضرت » لأنّه من باب أعطى . وأصل الشحّ في كلام العرب البخل بالمال ، وفي الحديث « أن تصدّق وأنت صحيح